عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

86

معارج التفكر ودقائق التدبر

( 2 ) وكان الحامل له على هذا الظّلم الشنيع أنّ بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ، عن إبراهيم عليه السّلام ، أنّه سيخرج من ذرّيّته ، بني إسحاق ويعقوب غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه ، فتحدّث بها القبط فيما بينهم ، ووصلت إلى فرعون ، فأمر عندئذ بقتل أبناء بني إسرائيل ، حذرا من وجود هذا الغلام . ( 3 ) وروي عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة أنّ فرعون رأى في منامه ، كأنّ نارا قد أقبلت من نحو بيت المقدس ، فأحرقت دور مصر وجميع القبط ، ولم تضرّ بني إسرائيل ، فلمّا استيقظ هاله ذلك ، فسأل من له علم بتعبير الأحلام ، فقالوا له : هذا غلام يولد من هؤلاء يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه ، فلهذا أمر بقتل الذكور من مواليد بني إسرائيل ، واستحياء المولودات من الإناث منهم . ( 4 ) وذكر عدد من المفسّرين ، أنّ القبط شكوا إلى فرعون قلّة بني إسرائيل ، بسبب قتل ولدانهم من الذكور ، وأنّهم خافوا أن يتفانى الكبار مع قتل الصغار ، فيصيرون هم الّذين يقومون بما كان بنو إسرائيل يقومون به من أعمال شاقّة ، أو أعمال دنيئة حقيرة ، فأمر فرعون بأن تقتل أبناؤهم عاما ، وأن يتركوا عاما . وذكروا أنّ هارون ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء ، وأنّ موسى ولد في عام قتلهم ، وأنّ أمّه لما حملت به ضاقت بحملها ذرعا ، وأخذت تحترز من أوّل ما حملت به ، ولم تكن تظهر عليها مخايل أنّها حبلى ، خوفا من أن يأتيها ولد ذكر ، فيقتله جنود فرعون . فلمّا وضعته ألهمها اللّه عزّ وجلّ أن تتّخذ له تابوتا ( صندوقا ) وربطت حبلا بهذا الصندوق ، وكانت دارها متاخمة للنّيل ، فكانت ترضعه ، فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التّابوت ، فأرسلته في ماء النيل ،